افتح درجًا قديمًا في منزلك.
قد تجد تذكرة سفر انتهت صلاحيتها منذ سنوات، بطاقة دخول إلى متحف، قطعة نقدية من بلد زرته، صدفة التقطتها من شاطئ، أو تذكارًا صغيرًا اشتريته في آخر يوم من رحلة جميلة.
ربما لا تساوي هذه الأشياء شيئًا تقريبًا.
وربما لا تحتاج إليها في شيء.
ومع ذلك، يصعب عليك التخلص منها.
لماذا؟
ربما لأننا لا نحتفظ بالشيء نفسه بقدر ما نحتفظ بما يستطيع أن يعيده إلينا.
نظرة واحدة إليه، وقد يعود المكان.
الأشخاص الذين كانوا معنا. الطريق الذي سلكناه. الفندق. المقهى الصغير الذي جلسنا فيه. لحظة ضحك. وربما تفاصيل كنا نظن أننا نسيناها منذ زمن.
فكيف يستطيع شيء صغير أن يحمل كل هذه الذاكرة؟
الأشياء ليست مجرد أشياء
نحن نتعامل يوميًا مع مئات الأشياء، لكن القليل منها فقط يصبح ذا معنى خاص.
فالفرق بين تذكرة ورقية عادية وتذكرة احتفظنا بها عشر سنوات ليس في الورق.
الفرق في القصة المرتبطة بها.
وقد درست أبحاث علم النفس والذاكرة قدرة الأشياء المادية على استدعاء الذكريات الشخصية. ففي دراسة منشورة في مجلة Neuropsychologia، وجد الباحثون أن استخدام أشياء مادية ملموسة كمحفزات للذاكرة أدى إلى استدعاء ذكريات أكثر، وبمستوى أعلى من التفاصيل، مقارنة باستخدام الكلمات في العينة التي درستها التجربة.
فالشيء المادي لا يقدم لنا معلومة واحدة فقط.
له شكل وملمس وحجم، وقد يرتبط بصورة أو مكان أو تجربة أو شخص.
ولهذا قد يكون النظر إلى شيء احتفظنا به من رحلة قديمة كافيًا أحيانًا لفتح سلسلة كاملة من الذكريات.
كأن الشيء أصبح مفتاحًا، والذاكرة هي الباب.
المكان لا ينتهي عندما نغادره
تنتهي الرحلة.
نغلق حقيبة السفر.
نعود إلى المنزل.
تمر الأيام، ثم الشهور، وربما السنوات.
لكن علاقتنا بالمكان لا تنتهي بالضرورة عند مغادرته.
في الدراسات السياحية يُستخدم مفهوم الارتباط بالمكان Place Attachment لوصف الروابط والمعاني التي يمكن أن تتشكل بين الإنسان والمكان.
وهذه العلاقة لا تعتمد فقط على الموقع الجغرافي نفسه، بل قد ترتبط بما عشناه فيه، ومن كان معنا، وما يعنيه لنا ذلك المكان في مرحلة معينة من حياتنا.
ولهذا لا نتذكر جميع الأماكن بالطريقة نفسها.
هناك أماكن زرناها ثم تلاشت تفاصيلها سريعًا.
وهناك أماكن يكفي أن نسمع اسمها حتى نشعر بشيء مختلف.
لأن المكان أحيانًا يصبح جزءًا من قصتنا الشخصية.
وهنا يظهر التذكار
منذ زمن بعيد، يعود المسافرون من رحلاتهم بأشياء صغيرة.
قد تكون شيئًا مصنوعًا محليًا، أو بطاقة، أو قطعة فنية، أو حتى شيئًا بسيطًا لا يحمل قيمة مادية تذكر.
لكن لماذا نفعل ذلك؟
لأن التذكار يؤدي وظيفة تتجاوز إثبات أننا كنا هناك.
تشير أبحاث السياحة إلى أن التذكارات يمكن أن تعمل كتذكيرات ملموسة بالوجهة، وأن قيمتها ترتبط بقدرتها على استحضار المكان والتجربة بعد العودة إلى الحياة اليومية.
فالتذكار يغادر المكان معنا.
ثم يبدأ حياة جديدة في منزلنا.
يوضع على رف، أو مكتب، أو داخل مكتبة.
وقد تمر عليه أعيننا كل يوم دون انتباه.
ثم تأتي لحظة ننظر إليه فيها فعلًا...
فيعود المكان.
لماذا تكون بعض التذكارات أهم من غيرها؟
لدينا جميعًا أشياء اشتريناها في رحلة ثم نسيناها بعد أيام.
ولدينا أشياء أخرى بقيت معنا سنوات.
إذن، ليست كل التذكارات متساوية في قدرتها على حمل الذاكرة.
وتشير دراسات في مجال السياحة إلى أهمية المعنى والأصالة والصلة بالمكان في الطريقة التي ينظر بها المسافر إلى التذكار.
وهنا يظهر فرق مهم بين شيء يحمل اسم مدينة فحسب، وشيء يستطيع أن يحمل شيئًا من هوية المدينة نفسها.
عمارتها.
معالمها.
موادها.
تفاصيلها.
وحكايتها.
كلما كانت العلاقة بين التذكار والمكان أعمق، أصبح من الأسهل أن يتحول من مجرد شيء اشتريناه إلى شيء يعني لنا شيئًا.
ليست القيمة فيما دفعناه
قد يكون أغلى شيء عدنا به من رحلة أقلها أهمية بالنسبة إلينا.
وفي المقابل، قد نحتفظ سنوات بشيء لا يكاد يساوي شيئًا.
لأن القيمة العاطفية للأشياء لا تتبع دائمًا سعرها.
قيمة تذكرة قديمة ليست في الورق الذي صنعت منه.
وقيمة صورة ليست في تكلفة طباعتها.
وقيمة التذكار ليست بالضرورة في المادة التي صنع منها.
القيمة الحقيقية قد تكون في اللحظة التي يستطيع أن يعيدها إلينا.
وهذا يفسر لماذا تتحول بعض الأشياء مع مرور الزمن إلى ما يشبه الأرشيف الشخصي لحياتنا.
لا نقرأه بالكلمات.
بل بالأشياء.
وهل يمكن تصميم تذكار ليحمل المكان؟
هنا يصبح السؤال أكثر إثارة.
إذا كانت قيمة التذكار في قدرته على الاحتفاظ بشيء من المكان، فربما لا يكفي أن نكتب اسم المدينة على قطعة جميلة.
ربما ينبغي أن نبدأ من المكان نفسه.
ما الذي يجعل هذا المكان مختلفًا؟
هل هي عمارته؟
تضاريسه؟
واجهاته؟
ألوانه؟
قصته؟
أم تفصيلة صغيرة لا توجد في أي مكان آخر؟
وعندما يبدأ التصميم من هذه الأسئلة، لا يعود الهدف مجرد صناعة تذكار.
بل محاولة اختزال شيء من هوية المكان في قطعة يمكن أن تعيش خارج المكان نفسه.
من هنا بدأت ميموريفا
في ميموريفا لم يبدأ السؤال بـ:
ما التذكار الذي يمكن أن نصنعه؟
بل بسؤال مختلف:
كيف يمكن أن نمنح المكان شيئًا يبقى منه معك؟
لهذا ننظر إلى المعالم التي نستمد منها تصاميمنا باعتبارها أكثر من أشكال جميلة.
فقصر الفريد ليس مجرد واجهة منحوتة في الصخر.
وجبل الفيل ليس مجرد تكوين صخري.
وجدة التاريخية ليست مجرد رواشين قديمة.
والطريف ليس مجرد مبانٍ طينية.
كل واحد منها يحمل حكاية ومكانًا وذاكرة.
ومهمة التصميم ليست أن يختصر هذه الأماكن إلى مجرد مجسمات صغيرة، بل أن يحافظ، قدر الإمكان، على الصفة التي تجعل كل مكان منها مختلفًا ولا يُنسى.
حين تصبح للأماكن حكايات تُروى
ربما لهذا نعود من السفر وفي حقائبنا أشياء لم نكن بحاجة إليها.
وربما لهذا نحتفظ بتذكرة قديمة رغم أننا نعرف أننا لن نستخدمها مرة أخرى.
وربما لهذا يستطيع شيء صغير على مكتبنا أن يأخذنا، للحظات، إلى مكان يبعد عنا مئات الكيلومترات.
نحن لا نحاول الاحتفاظ بالأشياء فقط.
نحن نحاول الاحتفاظ بما تعنيه لنا.
فالرحلات تنتهي.
والصور تتراكم.
والسنوات تمر.
لكن بعض الأماكن تترك فينا شيئًا لا نريد أن نفقده.
ولهذا ربما يكون أجمل تذكار هو ذلك الذي لا يقول فقط:
«لقد كنت هنا.»
بل يهمس كلما نظرنا إليه:
«أتذكر هذا المكان؟»
وهذه هي الفكرة التي نؤمن بها في ميموريفا:
حيث تصبح للأماكن... حكايات تُروى.
المصادر والمراجع
Kirk, M. & Berntsen, D. – Neuropsychologia
دراسة تناولت استخدام الأشياء المادية كمحفزات لاستدعاء الذكريات الذاتية، ومقارنتها بالمحفزات اللفظية.
Souvenirs: Magical objects in everyday life – Emotion, Space and Society
بحث يناقش التذكارات بوصفها أشياء عاطفية تستمر علاقتها بتجربة السفر بعد انتقالها إلى الحياة اليومية والمنزل.
Tourism Management – Research on souvenir locality and tourist memories
بحث تناول ارتباط التذكارات بالمكان والناس والماضي، ودورها كتذكيرات ملموسة بالوجهة وتجربة الزيارة.
Research on memorable souvenir-shopping experiences and place attachment
دراسة تناولت العلاقة بين تجربة شراء التذكارات التي تبقى في الذاكرة وبين ارتباط السائح بالوجهة.